-ارتطام يعيدك نحو مسار الحياة –


1439-09-16 05.38.28

أفتش في مذكرتي اليومية أقلّب الصفحة تلو الصفحة وأبحث عن ذكرى لعلاقة انتهت واقرأ تفاصيل خيوطها تلك التي التفت حول أيامي السابقة بكل إحكام، ولكن في لحظة مُباغتة تفلّت كل تلك الخيوط وانحلت عقدتها ليذهب كل واحد منا في طريقه كأن لم يكن يوماً بيننا ودّا تبادلناه وضحكات ارتفعت من بين أحاديثنا لتهز كآبة هذا العالم البائس، كرعد يُبشرّ بقدوم مطر ليغسل كل ما ترسبّ، وأحزاناً تقاسمناها ليأخذ كل واحد شطر حزن الآخر، وأمنيات عقدناها في حبل أخوتنا وقصائد تبادلناها وسكرنا معاً في جمالها وكتباً تشاطرنا صفحاتها!

أوه يا للبؤس كيف للأشياء التافهة أن تسلبك علاقة كنت تهرب من العالم أجمع لتختبئ في ظلالها ولكن فجأة أصبحت تهرب بعيداً وبعيداً ولا تعلم من أي شيء تهرب؟ كم هو مؤسف أن تفقد بؤرة الأمان التي تشكلت بعد أيمان مغلّظة ووعود كثيرة قُطعت لتكوّن سياجاً حصيناً لتحمي هذه البؤرة .

أرمي رأسي المثقل بين يدي مشوشة بالتفكير، في كل اللحظات الماضية ومحاولات الإصلاح لرتق فتوق تشكلت بعد كل خِصام ولكن فيما يبدو أن ” الشقّ أكبر من الرقعة ” لقد اتسعت أكثر وأكثر في الوقت الذي كان كل واحد منا ينتصر لذاته ويحقق هيمنته على الآخر بعد أن أُخمد صوت القلب تماما  ليطغى صوت العقل وينتصر ويعلن أنه هو سيّد اللحظة!  لقد كانت إحدى الصديقات تهمس لي في الفترة الماضية  في كل مرة تراني مُطرقة  وقد غرقت في عالماً آخر وبقي جسدي  عالقاً لظروف المكان  بينما روحي تعوم بعيداً،  كان تُفاجئني بقولها ” كل ما أخشاه عليك أن تُسلمين مشاعرك لشخص لا يقدّرها فأنت شخص مندفع لا يحدّه أي شيء لذلك ابقي متنبهة في كل مرة ” لقد غفلت عن هذا بل عميت عنه تماماً وأقحمت نفسي فيما ليس لي به علم ، تعثرت علاقتي  وتكررت عثراتها  وكان في كل مرة أحاول أن أصلحها ، أعفو مرة وأتغافل مرة أخرى ، وأرتق ثُقباً هنا وأوهم نفسي أن الأمر عادياً  وإنما أنا من أضخم الأمور ولكن للأسف لقد خرج الأمر عن السيطرة تماماً وانقلب كل شيء رأسا على عقب ، وأدركت أن محاولاتي لن ترى النور ولو بعد حين .

ما أسوء أن يعود الشخص ويفتش بين صفحات مذكراته القديمة وكأنما يأخذ جولة سريعة قاتلة على ذكريات مضت ومضى معها أشخاصها أيضاً واستبقوا الطريق للرحيل، لتبقى سجيناً لذكريات دونتها وأنت في غارق في سُكر اللحظة، ولكن لنقف للحظة  ولا نجعل التشاؤم يهيمن على ذواتنا! قد تكون عودتك لمذكرتك يجعلك تلتقي بشخص مختلف عنك تماماً، يمنحك فرصة لتدرك كم من الدروس اكتسبتها في فترة وجيزة، لترى مدى النضج الذي اعتراك جعلك تغير نظرتك تجاه أمور عدة وتزهد في أشياء كثيرة كنت لا تقبل المساومة عليها حتى!

كم يبدو الأمر عجيبا لا يمكن تصديقه كيف يمكن  للإنسان أن يتغير للحد الذي لا يعرف شخصه القديم بل يزدريه ويخشى من أي شيء يستدعي شخصه القديم ، بل يفر هاربا من كل شيء يربطه به من أشخاص وأشياء ويتجرد شيئا فشيئاً حتى يسلخ شخصه القديم ويمضي قُدماً بعد أن أثخنته الجراح وأسقطته الأحداث أرضاً حتى أعيته!

 جلست اقرا في مذكرتي الليل كله ولم أبرح مكاني أبداً ، تجمدت على وضعية واحدة وغرقت في التفاصيل ولم اشعر أبداً بمضي الوقت ،  ولكن ها هو الصباح يتنفسّ مرة أخرى بعد ليلة طويلة خشيت فيها أن تخلف الشمس وعدها ولا تأتي ،  خيوط الشمس تتمدد لتحتضن عالمنا البهي وتحتضن قلبي الموجوع وتزيل ما خلّفته عتمة الليل ، وكأنما الصباح كمسحة أبوية لقلب كل مكلوم ضاق بنفسه ذرعاً وباتت الأرض ضيقة عليه لحد الخناق ، نهضت بسرعة قصوى نحو النافذة وأزلت الستائر لأمنح الضوء فرصة للدخول لكل شيء ، فتحت النافذة  وأصدر صريرها صوتاً ليعلن بدوره قدوم يوماً جديد وفرص أخرى مُنتظرة  .

تسللت عيناي الى الشارع المزدحم بالمارة والسيارات، الضجيج يعمّ المكان والحياة تنتشر بين هذا وتلك، المدرسة المجاورة تصدح بأصوات الطلاب المقدمين للإذاعة والشارع المجاور لها يضّج بالحافلات المغادرة وعلى الطرف الآخر رائحة الخبز تعمّ الأجواء لتعطي الصباح نكهة مختلفة، نظرة واحدة وكأنما هي لقطة شمولية نحو العالم ليجسدّ الحياة في صورٍ مختلفة.

غادرت نافذتي واتجهت نحو المطبخ لأعد قهوة تليق بصباح مفعم بالنشاط، شيئا فشيئا اقتحمت الغرفة الأبخرة المتصاعدة من القهوة، سكبتها في الكوب ذو اللون الأزق والذي يحمل ذكرى ميلادي الثاني والعشرون، استلمت الكوب بين يدي واتجهت نحو مكتبي، والتقطت مذكرتي لأكمل ما شرعت في كتابته منذ أيام عدة وكتبت:

لقد أدركت الكثير واكتسبت أشياء لا تقدّر بثمن أبداً كان من الممكن ألا أتعلمها لو لم أقحم نفسي في تجارب عدّة، لقد أدركت أن الله لا يقدّر شرا محضّ فمهما بدا الأمر لك أنه فوق احتمالك إلا أنه ليس بكذلك فأنت لديك القوة الكافية لمواجهته، كم من الخسارات التي تكبدناها وكم من الصعاب التي واجهتنا إلا أننا في آخر المطاف تتلقفنا ألطاف الله الخفية ولو بعد حين ،كم من العلاقات التي خضناها مع البشر وقدمنا كل ما لدينا إلا أن النتيجة كانت معاكسة لما توقعنا ، كم من الصفعات تلقينا من تلك الأيدي التي أحسنا إليها مراراً وتكراراً ، كم من المرات التي تعثرت بها أقدامنا وسقطنا ولم يقدم أحداً خطوة مبادرة للإنقاذ ، كم من المرات التي تعمقنا فيها في علاقة وقدمنا قلوبنا على طبق كهدية بلا مقابل مرجو إلا أنه رُمي إلينا وهو منهك قد سُرقت كل معاني الحياة منه ولم يعد يمت للحياة بأي صلة .

كم من المرات التي تعلّقت آمالنا بشخص و جسدنا العالم في صورته وجعلنا منه ملاكاً لا بشرا عادياً ولم يكن كل ذلك إلا نشوة الحب أعمتنا تماماً من أن لا ندرك بشريته المحضة وارتبطت أيامنا به بشكل لا يمكن تصديقه ، ولكن كانت  الخيبة لنا بالمرصاد وكأنها تتحين الفرصة لتهجم وتعلن سطوة حضورها وتعيد كل شيء إلى مكانه المناسب، لتعيد مؤشرات الحياة نحو الاتزان ، لنفكر مرة أخرى وندرك أننا قدمنا كل ما لدينا بينما كان هذا أكبر مما يستحقه الطرف الآخر أو ربما غير مبالياً به ، لنتعلم من التضحيات التي قدمناها على حساب أنفسنا وراحتنا وأوقاتنا بينما الحب الصادق لا يطلب منك أن تقدم كل ما لديك كقربان وتضحي به في سبيل لا تعلم ماهيته ؟ كم من المرات التي ضقنا ذرعا من الحياة وإنما يعوز سبب ذلك لأننا حصرناها في نطاق شخص بينما الحياة أكبر من أن تكون مجرد شخص مهما كان الحب الذي نكنّه له وأوسع بكثير مما توقعنا لكن ربما ندرك هذا متأخرا ولكن أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أو ربما لا ُتوفقّ لهذا أبدا لأنك مصرّ على ضلالك القديم ولا تقبل بالعودة خطوة إلى الوراء لتبدو الصورة أكثر وضوحاً مما هي عليه الآن.

لكن ما أردت قوله بصدق ألا نجعل أنفسنا نرى من منظور الخسارة فقط ، ففي كل مرة نحن نكسب لحظات قد لا تتكرر حتى ولو تنكر أصحابها لنا إلا أنه لا بد نبقى أوفياء لتلك اللحظات والضحكات التي شكلت فارقا ، وفي كل مرة نحن نتعلم درساً وفي كل مرة نزداد مناعة لنصبح أكثر قوة من ذي قبل ونواجه الحياة بشكل ساخر ، وفي كل مرة يُضاف لنا شيئا بمقدار الخسارة فاطمئن فلست المتوجع الوحيد ، وفي كل مرة نزداد توجساً من أن نقحم أنفسنا في علاقة جديدة ، وفي كل مرة تتأصل علاقتك مع الله ومن ثم تزداد حباً لنفسك لتدرك أنك الأولى بالحب قبل كل شيء،  وحتى تكون قادراً ان تمنح الحب لمن حولك كان لا بدّ ان تحب نفسك بشكل جيّد ، وفي كل مرة نصبح أكثر عقلانية من أن ننهمك في علاقة حب عشوائية بل أصبحنا أشخاصاً انتقائيين نحو هذا ، وفي كل مرة يُهذّب عقلك وقلبك لأنك كانت الضربة قاتلة فبُعِثت بروح أكثر نقاء من ذي قبل .

كم من ارتطام قدرّه الله بلطفه ليعيدنا نحو مسار الحياة الحقة ؟ وكم من شخص فقدناه وبكينا وتحسرنا وأدخلنا في أنفسنا في هالة من الكآبة بينما الله يعدك بالأفضل وربما ما خسرته كان شراً لو بقي ! كم من المرات عدت للحياة بعد  أن أيقنت بالموت؟

لا تبتئس مهما تفاقمت أوجاعك ومهما اسودت أيامك ألا أنه  تبقى لديك الكثير والكثير ، العالم متسع جداً والبشر كُثر فاخرج لترى النور ولتمنح نفسك فرصة أخرى ، تبقى لديك الكثير من الوقت لتنطلق وتغني بجذل وترقص على رُفات أوجاعك وتغسل كل ما عِلق بروحك و لتعقد صفحة أخرى مع نفسك وتكسبها ، لا تستلم مهما تكررت الخسارات ومهما فقدت ، فالاستسلام يعني الموت ، واستسلامك يوحي أن حياتك لم تعد تساوي أي شيء !

أرجوك قف ولو لمرة واحدة ولو من أجل نفسك لا لأجل أي شيء آخر ، ولكن لا أعدك أبداً أنك قد لا تتعرض لأي ارتطام آخر ولكن ربما ارتطامك القادم يعيدك إلى مسار الحياة الحقة !

أغلقت دفتري وأطلقت تنهيدة عميقة وأدركت أنه مازال الله يخبئ لنا في الغيب حياة مختلفة تماماً عن حياتنا هذه ، حياة ننعم فيها بالصفاء أكثر ، لكن لا بد أن ندفع ثمن هذه الحياة من صحتنا ومن أوقاتنا ، أن نتخلى عن أشياء كُثر مقابل هذه الحياة ، لكن أيقن تمام اليقين أنك ستحظى بها  ولو بعد حين .

تمت : كُتبت في نهاية شهر شعبان .

-طاب يومكم قرائي الأعزاء –

Advertisements

3 Comments اضافة لك

  1. .. ... كتب:

    سُمية أتعلمين حروفك أتت بوقتها كالعادة هنيئًا لنا بمن يشاركوننا أحرفهم التي تعبر عن مشاعرنا التي لم نستطيع التعبير عنها ، شكرًا من القلب ويارب لاتعلق قلوبنا إلا بك ❤️

  2. Hala كتب:

    كلام يطبطب على القلب♥️

  3. سُ كتب:

    اهلا بالسميه 💛
    كل كلمة وصلت لمكانها داخل القلب 👏🏼👏🏼
    تسلم هاليدين اللي كتبت هالجمال 😻💡😴

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s