يوميّات – الخامس والعشرون من أكتوبر – 

on

تمرّ الأيام عِجافا تمضغك بين أضراسها ، تطحنك الأحداث المتتالية التي لا تعلم من أين تأتي وكيف تأتي وإلى أي وجهة تطلق ساقيك للهرب ؟ يأتي عليك الليل بعد نهار طويل بذلت فيه جهداً عظيماً لتبقى بكل هذا الثبات الذي تصطنعه ، تخفي ضعفك خلف ظلال قوة وهميّة تخشى أن تهبّ عليك رياحاً عاتية تمحو آثارها تماماً ، ترسم على وجهك ابتسامة كاذبة لتتجنب عناء الحديث عما تصارعه بينما ما بداخلك يتهاوى شيئاً فشيئاً ، تخفي نفسك بعيداً عن الأعين المتلصصة وتأوي إلى روحك بكل ضعف ، تتعثر كماهي كل مرة ببشريتك المحضة التي تقاومها والتي تطمح دائماً أن تصبح ملاكاً ولكن للأسف لا جدوى . 

ليلاً أنه التوقيت الأفضل بالنسبة لي لأدون مذكراتي اليومية وأعيد ترتيب قائمة الأولويات للأعمال التي يتوجب علي فعلها ، أكتب وأكتب وكأنما أعصر روحي قطرة قطرة لأكون نصاً يليق بيوم ضمّ جهادًا عظيماً خضته بنفسي دون أن أمدّ يداً لطلب المعونة ، أحاول أن أكون متوازنة في كتابتي بين فأل مرجوّ وواقعية حتمية لا مهرب منها . 

اجتاحتني عاصفة قويّة أسقطتني أرضاً وكل ليلة أنهار باكية متى تنقضي ولكن ماأن تنبث خطوط الشمس مخترقة سوداويّة عالمنا حتى أنهض مرة أخرى محاولة أن أجمع قواي وألمّ شتات بعضي الى بعضي الآخر متفائلة أن كل صباح يحمل فرصة جيدّة لا اعلم ماهيتّهاوهذا هو السبب الوحيد الكفيل بأن أبقى شغوفة في كل مرة استقيظ صباحاً. 

 لكم تساءلت مع ذاتي لماذا نهرب من بشريّتنا والضعف الذي يتملكنا من أعلى نقطة حتى أخمص قدمينا ومع ذلك نتسلّح بكبرياء اهود لا يُعرف له حدّ ونتفائل بإفراط بينما نعلم تمام اليقين أنه ربما تنقلب الكرّة مرة أخرى . 

أدركت بعد تفكير خضته على مدى طويل في تجارب سابقة ومحن مضت كنت أتوقع أنها لن تمضي أبداً ، فربما عجلة العالم تعطلت عند تلك الفترة ولكن مالبثت أن رأيتها تتلاشى كأنها لم تكن ، فأصبحت كمقياس لتشحذ همتي في كل مرة ” لقد مررت بأشدّ من هذا وغاب النور لفترة طويلة ولكني تجاوزتها برحمة الله ولطفه فلماذا أتوقف عند هذه المحطة ؟” 

لا أدعي المثالية ولا أدون هراء مصطبغاً بتفاؤل زائف ولكني في بعض المرات كنت أنهار باكية ، أتمدد كجسد ميّت وأحدقّ بالسقف الذي يحول بيني وبين السماء وكأنني أحاول محاولات شاسعة لأخترق كل المسافات وأسافر بروحي بعيدًا ، نحو عالم لا يشبه عالمي الواقعي ، أظل ساكنة فيه كأنما أنا صبّارة قابعة في صحراء ممتدة المسافات ، وقد تطول هذه الحالة المزاجية لفترة ، توّقف عن كل شيء ، فقدان الرغبة في الحديث وفي الخُلطة بالبشر ، رغبة عارمة في أن يتوقف العالم عن صخبه الذي لا يكترث بحزني للأسف . 

أدسّ رأسي بين ثنايا كتاب ، ألتهم صفحاته بشراسة وكأنما عقلي ينتقم ، أزداد صخباً على الصخب التي تكتظ به روحي ، يتصاعد الحديث تدريجيّا حتى يصل إلى أعلى نقطة نحو عيناي ليعلن عن موجة بكاء لا تنتهي أبداً ، أغرق ،وأغرق أكثر ، توشك روحي أن تتلف لشدّة الكآبة ، خمسة عشر يوماً مضت وكأنما هي عجلة ثقيلة تمشي الهوينا ، مخلّفة أثراً عميقاً ، استنزفت كل مالديّ من طاقة ، فقدت طمأنينتي وسلامي الداخلي وكأنما أُصبت بعقوبة سماوية عظيمة . 

أياماً وليالاً فقدت النوم العميق الذي لم أحسس بحجم النعمة الذي أرتع فيها في كل ليلة أخلد الى سريري وأتوسد مخدتي وأغرق ولكن للأسف أصبح عصيّا وأكثر تمرداً ولو جاهدت أكثر، نمت ولكن للأسف اللحظات التي أستيقظ مذعورةتفوز بأنها الأكثر من اللحظات التي استرخى بها جسدي . 

هل تقدر أن تعيش حياتك طبيعياً وبروتينيك المعتاد بينما شقيقك الأقرب لقلبك ، الذي اعتدت على وجوده ، وتخللت أيامك ضحكاته وحديثه ومشاكستكم المتكررة والنقاش الساخر الذي يتكرر كل مرة والليالي التي تشاركتم فيها السهر وكل واحد منكم غارق في عالمه ولكن جواً واحد يضمكم وهو الألفة ولكن المخيف أنه نُزع منك هذا بشكل مفاجيء ، ليدخل هو في غيبوبة طويلة بينما أنت تنازع الحياة ونفسك والناس، تصلي لله بكل عمق أن يساعده ليتجاوز محنته الذي تعثر بها ، وياللأسف كل شيء يذكرني به لا مهرب ، الصور التي بهاتفي والمحادثة الأخيرة التي أجريناها في ظهرية ذاك اليوم الذي وقعت به الحادثة ، وأشياؤه المنتشرة . 

خمسة عشر يوماً مضت نعم ولكن أقسم أني متّ بها كم مرة ، وكل مرة أقول إنها القاضية ولكن رحمة من الله تتلقفني في كل مرة لتنقذني ، مرّت بشكل بطيء جداً وكأنما هي أعواماً ليست أياماً عادية ، لكم تساءلت هل الحزن يزيد من ثقل عجلة الأيام فتصبح خطواتها لا تكاد تلاحظ وكأنما هي متوقفة ؟ أم أني أتوهم ؟ 

بصباح هذا اليوم كان الفرج وليداً مع بزوغ فجره ولأن الله لا يقدّر للضيق أن يستمر فلا بدّ للفرج أن يأتي ولو حين، هاهو شقيقي يتماثل للشفاء خطوة بخطوة ، سيأتي الفرج ولو بعد أن تلاشى الأمل وبقينا كأحياء فقدوا الحياة منذو حين طويل. 

 لقد أودع الله بنا قوة مذهلة تجعلنا نحتمل كل مانواجهه ولو بدا لنا عكس ذلك تماماً ، ففي الأيام التي تتسّم بكآبة فظيعة تجد نفسك أكثر مقاومة ، يمدّك الله برحمات خفيَة ربما لا تلحظها ولكن هي تنقذك في كل مرة وأنت لا تعلم . 

الخامس والعشرون من اكتوبر ، إنه صباح جديد مختلف تماماً وكأنما الحياة بُثتّ في قلبي من جديد والدهشة خُلقت من أبسط لحظاته

صحوت دون أن أتذّمر من رنين المنبه المتكرر ، لقد كان صباحاً يستحقّ التوثيق وهذا مافعلته ، لقد عشته لحظة بلحظة وكأنما أختزل لحظاته في أقصى نقطة في ذاكرتي بعيدًا عن أيدي النسيان ، لقد كان حقاً مُختلفاً . 

أنني ممتنة لله في كل لحظة ضعف لأنها كانت لحظات صقلتني ومن ثم أعادت تربيتي بشكل مختلف تماماً ،أحسست أني طرحت أشياء كثيرة كانت تشّكل ثقلاً على كاهلي . 

في الأيام الماضية قرأت كثيراً بصورة هائلة وأعدت ترتيب أولوياتي وصنعت لي خطة جديدة احتوت على عادات أنوي التمسك بها واخرى أريد التخلص منها ، كتبت كثيراً في مذكراتي وكأنما كنت أحدثها بحديث قلبيّ صادق ، لقد غيرتني حقاً وهذا من فضل الله . 

الله يعلم أني لم أتكلف التعب ولا الانهاك ويعلم أيضاً حجم المجاهدة التي أبذلها كل يوم في سبيل أن أبقى بهذا الثبات ، ويعلم كذلك لحظات الانكسار التي اعترتني ولكني كنت وقتها ومازلت أيقن تمام اليقين أن الله لا يترك أحدًا وحاشاه أن يفعل ذلك ، لذلك اطمأن قلبي وماعادت مبالية بحجم الخسائر التي تلقيتها لأن العوض حين يأتي من الله يمحو كل شيء ويجبر ماكُسر ويملأك بالدهشة . 

ماأردت أن أقوله أخيراً لاختم مذكرتي هذه : أن الحياة صعبة جداً ، إياك أن تتقلد فكرة أنك الوحيد الذي يعاني ، لا أبداً لكل شخص معاناته الخاصة التي يخفيها من الجميع ، لذلك تلّطف مع من تقابل وحافظ على جهادك علّنا نحظى بهذه ” والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا ” لتتوّج خطواتك الكادحة بالهداية وتُحال دموع ألمك إلى دموع فرح . 

تمت ، الثانية ظهراً . 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s