يوميّات – التاسع والعشرين من أغسطس- 

on

مساء الخير لكل من يلج هنا وأرجو من الله أن تكون بأفضل حال ياعزيزي .

ليلاً كما كل مرة لي موعد مع مذكرتي ، فسأكتب في مذكرتي هذه الليلة حدثاً سابقاً لا يتجاوز دقائق معدودة ولكنه لا يُنسى لأنه أحدث فرقاًهائلاً ، فرقاً لم تعود حياتي بعده كما كانت في السابق وربما هو منحة ربانيّة تنقذني من البؤس الذي خلقته الظروف من جانبي وضجيج الحياة واهمال الأولويات وجعل التفاهات تتصدر رأس القائمة . 

في مرة وأنا أصلي خلف الإمام إذ تلا بصوت خاشع ” ولا تمدّن عينيك ” تسللت من أذني شيئاً فشيئ حتى اخترقت قلبي في أقصى نقطة ، محدثة ثورة عميقة تزيل بكل ماأوتيت من قوة كل ماتشكلّ على قلبي من غفلة ، فثقبت بؤرة جديدة لتسمح للضوء بالولوج مرة أخرى إلى قلبي ومن ثم لروحي حتى تشرق بعد أن طالت عتمتها . 

أنهيت الصلاة وبعد ماعدت إلى الغرفة تلك الليلة أخذتني دوامة أفكار لا تنتهي وأطرقت أتأمل مليّاً في هذه الآية بالتحديد ! غرقت في الدوامة ووجدت كم مرة امتدت عيني إلى متاع دنيوي وماكادت هذه النظرة تعود إلا أتبعها ” شِهاب ” الحسرة وربما القنوط وتقمصّ دور الضحية التي لم ترى خيراً قطّ . 

كم من مرة امتدّت اعيينا إلى صور ولقطات وربما لأشياء لأشخاص آخرين وبدأنا بعدها دوامة الشكوى التي لا تنتهي التي تدفعك فيما بعد الى الملل فعليّا من حياتك والزهد فيما تتمتع به . 

كم من مرة قارننا حياتنا بحيوات الآخرين ومن ثم أخذنا في رصد نقاط الإختلاف واتسعت بنا الفوهة في الحديث حتى ابتلعتنا فظللنا نصارع الظلمة ونشكوها ونحن لا نعلم أننا من أسقطنا أنفسنا بأيدينا . 

يحدث هذا يوميّا تتصفح برامج هاتفك الخلوي ، برنامجًا برنامجاً وترى أشكال شتّى من الترف والبؤس ولكنك لا تركزّ إلا على ذاك الترف التي تظنك مستحقاً له أكثر من صاحبه وربما امتلأت حنقاً على حظّك وعلى حياتك التي تلخصت في أيام عِجاف وربما شجعتك ذاكرتك وزودتك بأحداثك القاسية التي تجرعت الحزن فيها حتى الارتواء

تظل تتمنى حياة هذا الذي وثّقها في السناب شات وبراعة ذاك في مهارة تميّز بها وظروف آخر التي ساعدته للوصول إلى مايتمنى ولكنك لا تدرك للأسف أنك لا ترى الا جزءًا بسيطًا من الصورة وحُجبت عنك أجزاء كثيرة لا تعد ولا تحصى لم تعلمها ، هكذا هي الحياة أيضاً. 

تمتد أعيننا إلى مساحات شاسعة وتشتهي هذا وذاك وتظل شرهاً في طلباتك لا تكاد تنتهي من شيء حتى يظهر آخر حتى تقصم ظهرك وتستلم وتبدأ في معركة خاسرة مع حياتك . 

ماأود إيصاله هو أننا لا نرى إلا جزءاً وماخُفي أعظم ، نحن لا نرى إلا البؤس والحزن في حياتنا ونتظاهر بالعمى عمداً تجاه أشيائنا العظيمة التي نتنعم بها دون غيرنا ، نقارن سعادتنا بسعادة غيرنا ونكاد أن نجنّ لو حظي أحدهم بأفضل مما حظينا به بينما نتغافل تماماً حجم البؤس الذي يرتع فيه غيرنا ، الذين لم يعرفوا للسعادة طعم أبداً منذو أن فتحوا أعينهم للحياة . 

في كل مرة تمتد عينك ابدأ بجلسة مصارحة مع نفسك وكن صارماً في هذا حتى تهذبها ، تقوم اعوجاجها وتُسكِت تمردّها لأنك لو أطلقت العنان لها لما توقفت أبداً ، واحضر ورقة وقلم في خلوتك مع نفسك وابدأ بسؤال نفسك كم نعمة تتمتع بها بينما غيرك محروم منها تماماً ؟ كم من الليالي التي نمت بها وقلبك يرفل بسعادة وغيرك يتوسد الحزن والجوع والفقر ؟ كم من مرة تمنيت أن تأكل شيئاً مميزاً ومالبثت سوا لحظات ووجدته بينما غيرك رُبما لا يعرف هذا الأكل ويعتبره وهماً ؟ كم من الليالي بتّ وانت بصحتك وعافيتك بينما غيرك الألاف لا تكاد يطيب لهم المنام ليلة من شدّة الألم الذي يواجهونه وأنت ببساطة تفتح لحافك الوثير وتتمدد ومن ثم تخلدُ في نوماً عميقاً ؟ كم من لحظات الأمان والدفء التي حظيت بها بينما التهمت الحروب الملايين من البشر وأحالتهم الى تاريخاً منسيّ ؟ تأمل غرفتك التي زهدت فيها وفي متاعها وكرر هذا ملايين المرة وفي كل مرة حاول وكأنك تقوم بهذا لأول مرة لأن غيرك ببساطة شُرّد من بيته أو هُدمت فوقه وخلفته أثراً بعد عين . 

يقول حبيبنا ” انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله” انظر الى من هو أسوء منك حالاً وكرر الحمد لله في كل مرة وادع الله ان يديم عليك هذا . 

في كل مرة أقول أني اكتشفت شيئاً مهولاً إلا أني أجد الإسلام قد ضمنّه كأدب أخلاقي قد جعلناه في طيات النسيان وتراكم عليه غبار لهاثنا وراء سراب بينما يحتاجه كل مسلم لتسير حياته وفق خطة عظيمة تضمن له الإتزان . 

تأكدت من أننا بحاجة صادقة إلى القرآن والحديث النبوي الشريف لوضع أسس ناجحة لحياتنا وحياة أجيال قادمة ، أن نضعها كجحر أساس ومن ثم نكمل البناء ونحن كلنا ثقة أننا قمنا بالخطوة الأولى بشكل أصحّ ليستمر البناء بشكل مستقيم ، بعيداً عن كل الترهات والفلسيّات الناقصة نحن بحاجة إلى عودة من حيث النقطة الأولى لنصحح المسار . 

القرآن يشمل لك حياة حقّة وحبيبك ﷺ يأخذ بيدك لتوّفق بين دنياك وآخرتك وكل هذا لن تحظى به وأنت تلهث وراء الدنيا وقلبك مكتظ بها وأنفاسك متقطعة ، لا أبداً ؛ إنك بهذا تحمل نفسك فوق طاقتها وتجعل روحك تسبح في المسار الخاطيء حيث الألم بلا فائدة تعود عليك لذلك، أصلي لله بكل صدق أن يمنّ عليك وعلي بعودة صادقة له كعودة محبّ وأن يحي مامات من قلوبنا ويبثّ النور في أرواحنا ويزيل العتمة . 

انتهى مالديّ وأغلقت مذكرتي وانبثت سكينة خفيّة بقلبي لأني تحررت من تلك الأحرف التي كادت تخنقني ، دُونتّ هذه المذكرة بكثير من التأمل والتفكير العميق وغلّفت بعظيم الحب حتى تصل الى قلب قارئها . 

دمتم بكل خير ، ليلة ٢٩ أغسطس 💙

Advertisements

One Comment اضافة لك

  1. سُ كتب:

    هذا ما يراودني كثيرًا بافكاري و أود أن أوصله لكثير من الناس في الحياة
    سلمت اناملك 💛👌

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s