رسائل لن تصل -٢-


ماذا يعني أن توقف ساعة زمنك على لحظة معينة متجاهلاً كل تعاقب لليل والنهار ؟ ، أن تقف كلمة عابرة كعقبة تمنعك بقوة واهية و تمسكك قدميك حتى لا تستطيع تخطّيها؟ ماذا يعني أن يقدم عقلك استقالة تامة عن التفكير والتخطيط واعضائك تتوقف عن الحِراك كما لو أنك ميت؟ ، جسدّ ممد وعقل متعب وصمت يعلوك و كأن بجانبك قد خُطّ ” ألا موت يبُاع فنشتريه ؟”

أنا من سيخبرك ماذا يعني ياصديقي ، هذا يعني أنك عالق في حدث قد مضى أو خيبة بعد شخصاً قد أسلمته حبك وثقتك في قُرطاس و أطلق ساقيه للريح أو كلمات كبلّتك من أن تكمل حياتك، بكل ببساطة الكل عالقَ سواء أدركوا ولم يدركوا ، عالقون في أشياء يخشون أن يذكروها فضلاً أن يواجهوها ، وكأنهم محاربون قد استسلموا في نصف المعركة وجعلوا الأمور تسير كما تشاء الظروف لا كما يشاؤون ،   أن تمر بك فترة تفقد فيها أملك بكل شيء حتى بنفسك التي بين أضلعك ، تحسس كأنك رمُيت في زواية في الجانب المقابل للعالم البشري، تتخطفك أيدي الوحدة المميتة .

 ياصديقي لقد قررت الكتابة عن هذا ، بعد أن مررت بفترة ضعف كما الفترات التي تتعاقب على كل شخص ويظن أنها نهاية العالم حانت ، تكالب علي وقتها كل شيء فالمصائب لا تأتي فُرادى كما تعلم ، لقد ظللت حبيس نفسي وكأنما أدخلتها في حلقة مفرّغة من الضوء مغلقة بإحكام لا أنكر أنني حاولت كثيراً كثيراً حتى رضخت للأمر وبدأت اشعر أن هذا الأمر ربما قدرَ ولا بد أتقبله، نسيت تماماً أن الله لا يكلف الشخص فوق طاقته وأن كل شيء قابلاً للتغيير مهما كان حجمه ولا يأتي الشخص قدراً الا ويهبه الله معه قوة لتحمله والخلاص منه !

لذلك بعد جلسة طويلة مع نفسي خالية من كل شيء الا من معيّة الله ، أدركت أصل هذه الفترة وكيف جاءت؟ ، أدركت تماماً أنني كشخص عالقَ في خيوط مترابطة معاً كشبكة العنبكوت تحيط به من كل جهة تمنعه عيناه من أن تبصر عيناه النور القادم وتكبّل قدماه حتى لا يقاوم وتطفيء شعلة تفكير ه حتى لا يجد خلاصاً وحلّ لهذه الأزمة !

سأوضح لك  قليلاً عن المعنى ، كأن نكون عالقين بماضي الطفولة فنعطيه زمام الأمر ليشّكل مستقبلنا و يتحكم بناءاً على ذلك بأحداثنا الحاليّة، أتعلم ماهي المشكلة هنا ؟ أننا نرضخ للأمر وكأنه شيء لا بدّ أن نتقبله وأننا لا نقاوم لأننا نخشى فقط ثورة التغيير أن تجتاح أشيائنا الروتينية بكل قسوة ، وقد قرأت مرة ” تبين للباحثين في جامعة غرناطة أن موقف الأشخاص من ذكريات الماضي أو تجارب الحاضر أو توقعات المستقبل يؤثر على تصورهم لحالتهم الصحية ونوعية حياتهم.وأوردت صحيفة التلغراف البريطانية في هذا الصدد عن كريستيان أويانادل وهو باحث من المشاركين في الدراسة قوله :” لقد لاحظنا أنه حين ينظر الأشخاص بصورة سلبية لذكريات معينة عاشوها في الماضي، فإنهم يتعاملون أيضاً من منظور متشائم أو قدري مع الأحداث الراهنة. وهو الأمر الذي يتسبب في حدوث مشاكل كبرى في علاقاتهم ويُظهِر هؤلاء الناس مؤشرات تنذر بتدهور نوعية حياتهم”.وتوصل الباحثون لتلك النتائج من خلال دراستهم التي قيَّمُوا خلالها 50 شخصاً، 25 سيدة و 25 رجل تتراوح أعمارهم بين 20 و 70 عاماً، وقع عليهم الاختيار من عينة عشوائية من الناس”

فهذا لا يبدو بالشيء البسيط باصديقي حينما نعتقد أن ماضيننا له سطوة على مستقبلنا أيضًا ، لذلك أقولك لا تخش ماضيك فقد مضى من اسمه فهل ستراه يعود ؟ وإما مستقبلك فالله يتكفل به بدلا عنك ! ولكن إياك أن تنسى أن مستقبلك ماهو إلا نتاج خطواتك في هذا الزمن الحالي فأنت تصنعه بيديك وأفكارك وعقليتك ، فإذا أردت مستقبلاً مُشّعًا أوكل أمرك الى الله ولكن لا بدّ أيضاً أن تكدح وتبدأ من الآن من هذه اللحظة ، حتى لا يضيع عليك وقتك وجهدك فالعمر ماضٍ ولا يبقى الا ماقدمت ولا تتوانى من طلب للعلم واكتساب لمهارة تفيدك وغيرها مما يضيف الى رصيدك الكثير من الخبرات ، فعمر الشباب كما يصفه أحمد بن حنبل “ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي ثم سقط” فلا تؤجل عملا فقد يأتي عليك زمناً تتمنى لو بدأت مبكراً !

أقول لك مرة أخرى ، لا تخش شيئًا ، فماضيك لا أحد يتذكره سوى ذاكرتك التي تقبع خلف رأسك أما الناس التي تتوقع أنهم لا زالوا يذكرون فهم قد تغيروا وربما لا تلاحظ ذلك ، ولو أردت أن تتأكد عن صدق ماأخبرك به فاسأل أحدهم عن حدث في الطفولة عنك ، تجده ربما لا تسعفه الذاكرة أن يرّد على سؤلك، الناس يتغيرون ومن يظنّ أنهم باقون على حالهم فهذا لا عقل له !

قد نكون عالقين أيضاً ياصاحبي لكلمات تلقيناها من أشخاص قرباء وربما غرباء أيضاً ونسلم لهذه الكلمة السلطة في محورة عقولنا حولها فلا تفكر ولا تهتدي ، فقد يقول لك شخص وينعتك ” بأنك شخص ذو قدرات ضعيفة لا تقوى على التفكير والإبداع ” فتقنع عقلك الباطن أنك ضعيف حقاً وأنك لا تمتلك القدرات الكافية لتحمل هذه المسؤولية وربما تغيّر قراراتك المصيري لأجلها ولو تمعنت في الأمر قليلاً لتوضح لك أنك نفسك من تعرف طاقتك وحجم ذكائك لا الآخرون فكلامهم قد يؤخذ منه ويرّد ولا يمكن أن يكون مصدراً للحكم على ذاتك !

وكم من الكلمات السلبية قد تعُرض علينا ولكن الفطين هو من لا يدع لها مجالاً أن تخترق جداره الذي قد بناه حول ثقته بذاته واداركه لمداها ولكن أقولك ليس كل الكلمات تنتج من فم كريه وقلب حاقد تخرج منه كالطلقة لتصيب الهدف ،فقد تكون الكلمات الموجعة لنا صائبة ولكن غرور النفس والترفع المبالغ فيه قد يمنعك من أن تدُرك ذلك ، لذلك كل ماقيل لك قلّبه في عقلك إن رأيته صائباً فتقبله واشكره فالناصح الذي يصدقك في الوقت الذي امتلأ بالترهات قد يُعدم وجوده ، وإن كان عكس ذلك اتركه وادع لصاحبه كثيراً حتى لايكون في نفسك أثراً منها !

وإن أردت الحقيقة سأقولك لا تأخذ الكلام الذي يُوجه لك على محل الاعتبار بل تجاهل وتجاهل وتجاهل حتى يظنونك أصماً أبكما ولو فعلت عكس ذلك فستُرهق عقلك من كثرة التفكير في نواياهم ويصدأ قلبك من تراكم الاحقاد وتأويل الأحاديث ويهديك ابن حنبل هذا في كلام موُجز “تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل وهو تكلف الغفلة مع العلم والإدراك لما يتغافل عنه تكرماً وترفعاً عن سفاسف الأمور” وقد وهبك القرآن الى الطريقة الحقّة عندما يضيق صدرك من كلام أحدث بقلبك ثقباً لا يُملأ {وقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدينَ }

قد تكون عالقاً في أوهام لا تُصدق وخيالات تعيقك من التقدم وقد توافيك المنية وأنت لا تزال عالقاً فيها و أنت لا تعلم ، تقوم في كل مرة وتسقط وتحاول جاهداً حتى تستسلم و تعتاد على الأمر وتتقبله وترى أن أمرٌ لا بدّ منه ، قد يكون مجتمعك المحيط بك أكبر عائقاً لك من أن تفطن لذلك وربما صحبك الذين يصفقون لأهوائك يضللون عليك لترى أنك صائباً في كل شيء لذلك أسال الله الخلاص .

إن الحياة ياصديقي ثمة جهاد فما تكاد ترفع راية النصر في كل مرة حتى يدمغك شيء أشدّ وقد قال شاعرنا الكبير أحمد شوقي ” الناس صنفان موتى في حياتهم           وآخرون ببطن الأرض أحياء

قف دون رأيك في الحياة مجاهدا        إن الحياة عقيدة وجهاد”

إنك لابد أن تيقن ب ” لقد خلقنا الانسان في كبد ” ، فحياتك بُنيت على نصب وشدّة حتى تؤهلك لمقاومة الأحداث العٍظام التي تحتاج مسيرتك حتى تمنحك طاقة اضافية في كل مرة تخرّ على ركبتيك تبكي شاكياً الى الله سوء الحال ! إن الله ياصاحبي لم يخلقنا عبثاً ولم يتركنا مهُمَلين ، لا بل تكفّل بنا في كل لحظات عمرك من ضعفك حتى قوتك وهو مطّلع عليك أينما تكون وهو يعلم وجعك الذي تشكو منه ويخبىء لك في كل مرة فرحاً لذيذاً .

حينما تعلق في حياتك لا تستلم حاول حاول حتى تصل إلى الخلاص ، فالأحداث ماضية والأشخاص راحلون والكلمات تُنسى وأنت من بيديك كل هذه وأنت وحدك من تقررّ !

إني بليت بأربع ما سلطت … إلا لأجل شقاوتي وعنائي

إبليس والدنيا ونفسي والهوى … كيف الخلاص وكلهم أعدائي؟

إني أكتب لك ياصديقي هذه الرسالة وأنا أصلي لله مع كل حرف أن يهبني خلاصاً مما أنا أحارب لأجله وأرفع الى الله شكواي ، وقد دونت أحرفي هذه أرجو أن تكون كدليل لتاهه تلتقمه صراعات الحياة وتلفظه وهو يتمسك بالرمق الاخير من الحياة ، أنه ليس بالشيء السهل كما أتوقع فهو كما أنه بلاء يختبر الله به صبرك فيارب امنحنا قوة من لدنك ، نحتاج أن نيقن أن لابد أن نُخرج أرواحنا من بؤرة الحياة الروتينية وندعها تسافر الى الله كما تشاء وأن نمهد لها الطرق الموصلة وأن نجتهد في الدعاء أن نترك عالمنا بعد رحيلنا وقد أعمرناه أحسن إعمار، وأن نكون خلفاء الله حقاً على أرضه فنعيد كل شيء الى موضعه بحكمة ، حتى يكون رحيلنا مكللاً بالورد والكل يدعو لنا بسُكنى موطننا الأبدي، ألا ترى تلك أمنية والأماني الكثيرة فهلا اجتهدنا حقاً في تحقيقها ؟

“لأنّ الحياةَ ليست سهلةً ، ولأنّ هذا العالم لا يتواطئ مع احَد ابدًا ، ولأنّ الحظ ليس اهلاً للثقة ينبغِي ان تكُون قويًا بالله كفايةً ؛ لتعِيش كما تتمنى “

دمتم بكل خير قرائي الافاضل ، دونت في ١٤ / ٩ /١٤٣٧ والسلام .

Advertisements

6 Comments اضافة لك

  1. Yazeed كتب:

    لو كنت أملك ختماً يستطيع أختراق صفحتك و أن يضع كلمة ( أبدعتي ) لفعلت !

    لامست أفكاري كل أسطرك ، أتفق تمام الحق معك. شكراً لك.

    1. SOMAYYAH🌸 كتب:

      شكراً للطف رأيك ، الحممدلله هذا ما أسعى له وأنا أدون
      جزاك الله كل خير 💙

  2. Anwaar☘ كتب:

    جميل ياسُميّه💜

  3. fa6mah00 كتب:

    ابغى موضوع عن الصمت او الحكمة 😻.

    شكرًا 💕

  4. anoodalmotaib كتب:

    كنت فعلاً بحاجة لهذه الكلمات التي تلاش شعاع القلب وتخترقه! مذهلة سمية كعادتك❤️

    1. anoodalmotaib كتب:

      *تلامس شغاف القلب🙊

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s