رسائل لن تصل 


رسائل لن تصلَ !

لقد تيقنت بعد كمّا من التجارب التي خضتها في الفترة السابقة  وبعد قناعة توصلت لها بعد دروس تلقنتها من الحياة و بعد بحث وتيقّن تام أن حياة كل شخص ماهي الا مبنيّة على قواعد راسخة فإذا أهمل ركن مالت حياته وكاد أن يختلّ توازنه ، فربما يعيش الشخص ويموت ولا يزال جاهلاً بحقيقة الحياة ! إن حياتك ليس محصورة على علاقة فاشلة خضتها ثم توقفت بعدها تخشى أن تتعثر مرة أخرى وليست دراسة لم توُفق لاجتيازها وليست جمعاً من المال وليست صداقات تربطك بأشخاص آخرون خارج عالمك الذاتي .

لقد أدركت أن الحياة أكبر مما نتخيّل ، فقد نظّن أننا وعينا كل شيء عن حياتنا وتكتشف أنه لم يتبين لك الا جانب واحد فقط وتبقى بقيّة الاجزاء مخُبأة لا تدُرك الا بعد كمّا هائلاً من التجارب التي تخوضها وتخرج منها إما درساً يُضاف الى معدل خبرتك وقد تخرج بشيء لا يستحق الذكر فتستمر حتى يتبين لك مقصدك .

لقد تحسّرت على كل يوم عشته وأنا أحمل في عقلي فكرة أن الحياة قد تتجسد في شيء واحد فقط وأبذل كل جهدي في رعايته وربما امضيت اليوم كله أدور في فلكه ، لقد تيقنت تماماً أن الحياة تشتمل ” عباداتك ، ذاتك ، عائلتك ، علاقاتك ، اجهزتك ، مشاريعك ، دراستك او عملك ، هواياتك واشيائك الخاصة ” حتى تقوم ، فعندما تهب اهتمامك لجانب وتنسى الجانب الآخر تبقى لديك أجزاء ناقصة لا يمكن تكتمل ، إنها هذي المقومات تجعل منك كأجزاء الصورة التي تحتاج للتركيب فلو سقط وضاع جزء بتّ كصورة مشوهة ولن يملأ مساحة أي جزء مساحة جزء آخر ولو حرصت .

لقد لا حظت أن الحياة لا بد من توازن بين كل الجوانب ولن يحصل لك ذلك الا بعد سؤال الله المعونة” إِذَا لم يَكُنْ عَونٌ مِنَ اللهِ لِلفَتى فَأَوَّلُ مَا يَجنِي عَلَيهِ اجتِهَادُهُ” وقوة تمكّنك من تحمل مشاق الحياة ، نعم فالحياة شاقّة جداً فلا بد أن يمر عليك يوم يبكيك ثم يعقبه يوم يضحكك وتلك الأيام نداولها بين الناس ولن يدوم لك حال فلا تفرط في التفاؤل والتأمل في الاستمرار على حال واحدة ومن ثم تخطيط وجدولة تقسم وقتك ولو حرصت ولا تنسى ساعة وساعة ياصديق فالنفس تملّ كما تملّ الأبدان .

عباداتك وعلاقتك مع الله هي الركن الأوثق من بينهم والملجأ الوحيد الذي يسعك في كل مرة تعود لاهثاً من تعب الحياة تشكو الى الله في محرابك مما تجد فتجد السعة والفرج في كل مرة فلا بدّ ان تكون علاقتك مع الله فوق كل شيء ، فاذا اردت الله ان يديم لك ماتحبّ فقدم له مايحبّ ، إن الانسان ياصديقي يظل في حياته باحثاً عن الاستقرار الروحي فتراه يهب قلبه دون مقابل في كل علاقة ويعود منكسراً منها شاكيا الألم الذي لحقه لانه لم يُروى من معينه الحقيقي ولكن أتى الإسلام ليحقق ذاك الاستقرار ويحدد المجرى الصحيح للروح ، فلا بدّ أن تملأ روحك بالله حتى تقدر تعيش حياتك بالاستقرار الروحي فالقلب اذا امتلأ بالله كانت أعظم سعادة تحققت بالدنيا ولن يذوق قلبٌ ضيم مادام الله فيه .

في خضام الحياة وجدالها ياصديقي ؛ ربما الأنسان نفسه فيجعلها آخر اهتمامه وربما غير متعمداً وربما لكثرة الاجتهاد والانشغال فلذلك نفسك نفسك فهي مايتبقى لديك عندما تصبح وحيداً، وأول شيء لابدّ أن نتعرف على أنفسنا ونحتويها ومن ثم نعقد علاقة وثيقة ! ومما أتعجب منه أن بعض الأشخاص لا يطيقون ساعة خالية لأنفسهم مع أنفسهم ، يخافون الوحدة مع الذات وكأنما هي سجن انفرادي ، إنك اذا أحسنت استيعاب احتواء ذاتك ووجهتها الى الصراط المستقيم فستكون جنتك بقلبك لا تضيق للحظة وحدة ولا تضجر من بقائك وحيداً كما شيخنا ابن تيمية رحمة الله عليه حينما سجنه أعدائه “ماذا يفعل بي أعدائي ؟ أنا جنتي في قلبي , نفيي سياحة و سجني خلوة و قتلي شهادة.” لقد أحسن تغذية روحه فكانت له خير أنيس !

أيضاً عائلتك : لا تجعل شواغلك تسرقك بعيداً عن لمة العائلة وتبادل الأحاديث وياحبذّا لو تتخلى عن هاتفك وقتها حتى تكون حاضراً بقلبك وجسدك معهم وإليك هذا المقال حتى تجدد حياتك العائلية

https://saaid.net/tarbiah/152.htm

ونحن الان في وقت الاجازة ولديك متسعاً من الوقت لتحقق جميع أهدافك مع عائلتك ياصديق.

نأتي الآن الى العلاقات ذاك العالم الكبير الذي ترسمه خارج عالمك الخاص ،  وأنا سأقسمها الى العلاقات الحقيقة و العلاقات الإلكترونية فأنا أرى أن كل شخص أصبح له عالماً افتراضيّا ربما يفوق عدد أشخاصه أشخاص عالمه الحقيقي ، فلم تبقى هذه العلاقات مجرد صدفة ، قد تكبر وتكبر فأنت تعطي المجال حرية أكبر ! تحكي كل ماجال في نفسك وربما ترهات لا تحدثّ بها أحد ، تحدثهم عن تفاصيل حياتك الصغيرة قبل الكبيرة وربما القريبون عائليا لا يعرفونها ، تصور يومك لحظة بلحظة وتشارك صحبك ، وبالتالي أصبحوا يعرفون وقت استيقاظك ونومك وحزنك وفرحة فلم يتبقى شيء لتخبئه عنهم !

لست هشة ياصديقي فأنت أول ماتحتاج الى شخص تحدّثه تتناول  جوالك سريعاً  لتختار من القائمة المكتظة بالاشخاص التي لا تعرفهم تمام المعرفة وربما لم تراهم وجهاً فقط جمعكم فكراً وربما حدثاً بسيطاً فتظل تحادثه وتحادثه ، وربما يكون أحدهم قريباً لقلبك كأخ وهب لك حبه بدون مقابل و لكن العجيب هنا  قد تكون فقيراً أصدقاء حقيقيون وغنيّا بالأصدقاء الافتراضيّون فهل يكفي ذلك ؟ أظن أن حاجة الى اصدقاء نقابل شخصهم أشدّ لان صديقك الافتراضي تعجزه المسافة في ذلك ولكن لا حيلة له في ذلك !

وعلى كلّ فلا بد أن تجد توازنا في تعاملك في كل علاقة تربطك بشخص ، فلا تمنحه الثقة الكاملة ومن ثم تقضي عمرك متحسراً على ذلك لا ! ولكن كما قال كاتبنا الكبير -العقاد – رحمة الله عليه ” فلا تقنط من طيبة الناس كل القنوط ولا تعول عليها كل التعويل بل أحسن الظن بالناس كلهم كأنهم كلهم خير واعتمد على نفسك كأنه لاخير في الناس” وأتوقع أننا بحاجة الى سنوات وسنوات حتى ندرك هذه الحكمة ونفقد من الاصدقاء الكمّ الهائل حتى نوشك أن نقول أننا وحيدون بلا اصدقاء ، لكن أنني أيقن إنني كلما ارخى صديق يده من يدي في منتصف طريق الحياة أن ذلك لم يحدث صدفة لا بل كان ذلك مُدبّرا من الله وهذا يكفي ليملأ قلبي راحة تسعه ، فتتجددّ الثقة لدي أنه مازال بوسعي خوض تجارب صداقة جديدة أكون فيها أكثر حكمة وتوازناً فالحياة لا تنتهي عند انتهاء علاقتنا بأحد بل قد تكون بداية جديدة مع شخص آخر يثير الدهشة في قلبك ويدفعك الى الأمام أكثر ! لا تصاحب شخص ينقص من قدرك ولو كان على ذلك على سبيل المزاح فتعتاد نفسك على ذلك وتنقص مقدار ذاتك في نفسك وترى أنك صدقاً شخص سيء وهو وهم ، صاحب من يزيدك علماً وفائدة من ذا جئته حزينا خرجت وأنت مفعما بالأمل ! لن أحدثك كثيرًا ، فقط اختر صاحب يظلّ يحملك في دعائه حتى وإن غاب ذكرك ووارك التراب فذاك هو الكنز الذي تحظى فيه وينازعك فيه الكثير .

بقية المقومات أدعها لك تصيغها كما تشاء ، فلن أعطيك طريقة تشكل بها حياتك لا بل هذي حياتك وأنت من تشكّلها كما تريد، فلا تدعها أحداً غيرك يستلم المهمة عنك ولو كان ذلك مضنيا عليك تحامل حتى تصل فربما يطول المسير ولكن ستوُفق باذن الله الى حياة كريمة ألا يكفيك ” والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا” أرجوك ياصديقي لا تحصر حياتك في لحظة سيئة ، ولا تحشر نفسك في صداقة لا تناسبك تشتم تلك العلاقة في كل صباح ومساء لا تضيف اليك الا حزناً وحنقا يجتمع بقلبك فآثر صحتك واشراقيتك نفسك على كل شيء ، اترك ما يضيق قلبك ويجعل نطاقك محصوراً عليك وعلى عالمك ورحبّ بكل من يثريك نفعاً ، وسّع نظرتك وجددّ فكرك في كل مرة فربما يشيخ الفكر والشخص يرتع العشرين وربما يهرم الجسد ولكن يبقى الفكر خالداً بما فيه مشرقاً كضوء لا ينطفىء !

قبل أن أغلق رسالتي أرجوك لا تنسى حقيقة الحياة ألا وهي ” لقد نسوا معنى أن تكون حيّا أنهم بحاجة الى أن نذكرهم بكل مالديهم وكل مايمكن أن يخسروه مااشعر به حقاً هي فرحة الحياة ، هبة الحياة ، حريّة الحياة بل وروعتها أيضاً ” كل مااتمناه أن أعلّق هذه الحقيقة في مكان بارز حتى أراها في كل مرة أفقد الرغبة في الحياة فيتجدد الشعور ويتلاشى ذاك الشعور المقيت في لحظته .

-إن هذه الرسالة ادونها لنفسي أولا ومن ثم لقرائي مرة أخرى ، دمتم بخير و ألتقيكم في رسالة أخرى-

دوُنت صباحاً |١٠ رمضان .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s