في أي عام يعيش عقلك ؟ 

on

  

قد كنت أرسم في مخيلتي صورة مبهرجة للندن واكنت أتوقع أن لديها حضارة كبرى لا تُضاهى ولكن للأسف صُدمت مرتين فالمرة الأولى عندما سمعت دورة عن الأمراض النفسية وأول انتشارها والمؤسف أنه في بريطانيا طردوا كل مريض نفسي من البيوت واسكنوهم خارج البلدة مما أدى الى وفاة بعضهم من الاهمال والمرة الاخرى عندما قرأت رواية ١٩٨٤ لقد كانت بمثابة الصاعقة في كل فصل للدرجة أنهيتها في يومين متشوقة لأرى ماذا ستكون النهاية وماذا سيؤول إليه الحال ؟ 

لقد كان يتحدث الكاتب عن مدى القمع السياسي الذي عاشه في بريطانيا وكان الشعب منقسمون الى حزب الأخ الكبير والعامة فالقسم الاول محرم عليه كل شيء وبداخل كل بيت من أعضاء الحزب شاشة كبيرة ترصد حركاته وترشده الى فعل اشياء معينة مثل الرياضة بطريقة محددة وتمنعه من أن يحدث أشياء تخالف القانون وأيضاً كان من الممنوعات الكتابة والتفكير في غير الأمور المحددة له وكل من يخالف تفكيره يرصده شرطة الفكر وهذا فيضاً من غيض وأما العامة فيملكون زمام الحريّة في فعل كل شيء وكل شيء لهم مسموح ! 

لقد حاول الكاتب بعد تفكير وتردد في خفية اقتناء دفتر ومحبرة حتى يتمكن كتابة مذاكرت يوميّة ولكن احتار لمن يكتبها له ؟ ومن عساه يقراها ؟ ولكن رسى فكره ليتوصل ” يكتبها من أجل المستقبل من أجل الذين لم يولدوا بعد وللمرة الأولى أدرك حجم مايقبل عليه كيف لك أن تتواصل مع المستقبل ؟ إنه أمر مستحيل في حدّ ذاته فإما أن يكون المستقبل شبيه الحاضر أو أين يكون مختلفاً عنه فتصبح المشقة عديمة المعنى ! ” دائماً وأبداً الأمور بدايتها مخيفة ولكن ماإن تقدم حتى يتبدد كل شيء .

” كيف يفرض الإنسان على انسان اخر سلطته ؟ فأجاب : بأن يجعله يعاني ” بالضبط بأن يجعله يعاني فليست الطاعة كافية عندهم إذا لم يعاني فالسلطة تعني هي إنزال الألم والذل بالآخر وتمزيق العقول البشرية إرباً ثم تركيبها من جديد في أشكال تقررها حكومتهم ، لن يكون في العالم إلا مشاعر خوف وغضب وانتصار واحتقار الذات ولن يبقى وفاء الا للحزب ولن يبقى حب الا لرئيسهم ولن يبقى ضحك ةالا عند الانتصار على العدو ولن يبقى فن ولاأدب ولا علم فلن نكون حاجة للعلم ! لن يبقى فضول ولا استمتاع بالحياة نفسها . 

لقد توقعت وأنا أقرأ هذه الرواية أنه ربما توافق حياة الكاتب حياة من يجعل له قيود تحددّ مساحة حريتّه فلا يفعل الا مايُملي عليه مجتمعه ومن حوله ، يخشى أشد الخشية من تجربة الأشياء الجديدة وقد تجد عقله متوقفاً منذ زمنَ عن التفكير فقد كبّل وصلات دماغه بسياج من حديد وإن ناقشته وجدت شخصاً يبلغ من العمر عتيّا ولكن عقلاً رابضا في التسيعينات وجهلها ! 

بالله عليك ؛ اي شيء يميز حياتك إن لم تفعل أشياء غير اعتيادية ، أن تحطم تلك القيود التي فرضتها على نفسك من باب العادات والتقاليد وقد تكون أشياء ما أنزل الله بها من سلطان ! مالذي يجعلك مختلفاً عن غيرك إن كان أكبر همك بطن تعبأه وتغط نوما كأهل الكهف وجوالا ً تتصفحه وترد على هذا وعلى ذاك ؟ التعصب يملأ عقلك فكل مايخالف رأيك الساذج وقبيلتك ومنطقتك تعتبره كائن صغير يستحق الاسكات وسوء الرد وربما الموت أيضاً. 

لقد كان أكثر مايشكي منه الكاتب أنه جعلوا لدماغه أطراً لا يحيد عنها والويل ثم الويل لمن يتعدى ذلك الحدّ فالسجن لسنوات وتعذيب شديد ومن ثم الموت بطريقة غامضة وربما يختفي في لمحة نظر ! فهذا مثل العقول المتوقفة تغيّب كل حقيقة تتعارض مع مبادئها ولو كان شيئاً بسيطاً ومبدأها أنت توافق رأيي أحترمك ، ماإن تخالفه تحلّ عليك غضبتي . 

لذلك أنت في نعمة لا تقدّر بثمن مادمت تملك الحرية في التفكير والتعبير بينما يعتبر غيرك التفكير في غير النطاق المحدد جريمة يعاقب عليها الإختفاء في لحظات ! 

لقد تقّينت أن القمع والسلطة الشديدة قد تصيب ” البعض بمرض يجتاح العصر ألا هو ، التفكير المزودج إن تعرف ولا تعرف وأن تدرك الحقيقة الكاملة عندما تروى الاكاذيب التي تم إنشاؤها بكل عناية، وأن تحمل في الوقت نفسه رأيين اثنين يلغي أحدهما الآخر وان تعرف أن كل رأي مناقض للآخر لكنك تؤمن بهما فتعيش صراعاً لا يهدأ فتستخدم المنطق وأنت ضده وأن تدعي الأخلاق وأنت ترفضها في الوقت نفسه ثم تقوم فقط بما يتوافق مع من تعيش ومايُملي عليك مجتمعك وافكار أشخاص عقيمة وتخشى أشد الخشية من أن يخالف وربما يصبح المرء حينها غير واع منوماً تنويماً مغناطيسياً !”  

باختصار قد تكون قيودك إما اجبارية تُفرض عليك وتوقعك سجيناً لها أو اختيارية من صنع عقلك وانتِ وحدك من يدرك ذلك ! 

ففي أي عام انت تعيش وأي عام يعيش عقلك أيضاً ؟ مايهم هو الطرف الاخر من سؤالي!قد يكون البعض سابق زمانه وقد يكون العكس تماماً متأخراً تماماً ممتليء بأفكار تميت الحضارة في أوج نموها ، والمشكلة تكمن أن يكون المجتمع كله متأخر عنك فتعيش طريدًا بينهم والسبب العقول غير متساوية ! نعم، العقل هو ميزان المرء في ا لحياة وأول شيء يجذبك للطرف الآخر وتُصاغ افكاره في حديثه فتمكنك من أخذ الانطباع الاولي . 

 

المجد للكتاب ياصديقي للذي يحدث ضجة في عقلك لا تهدأ ، يوقظ وعيك وتقسم أن لا تدعه يموت ! لقد قرأته واكتشفت ماذا يعني أن يعيش الانسان في استبداد ؟ كاستبداد الانسان على الانسان آو على نفسه أيضاً وكيف أن تشغل العامة بالرذائل بفوضى على الاحداث البسيطة حتى تعميهم عن ملاحظة الفوضى الكبيرة ؟ رواية عبقريّة كُتبت أحداثها عام 

-١٩٨٤-وجعل منها تصوراً للأحداث المستقبلّية ، رواية نهايتها مؤلمة جداً ،فقد ينتهي الصراع باستسلام الافراد للفكرة وتقبلّها على مضض أو الموت من شدة الاجهاد والصراع ! وكما نصّ غلافها هذه الرواية تُقرأ ثم تُقرا ولا تمل وارى أن الكاتب قد وفق في ايصال فكرته ! هل تستحق القراءة ؟ 

إنني ماكتبت هذه التدوينة حتى أوصل للبعض ماأردت إيصاله ، بالإضافة إلى كلمة أوجهها الى كل المنفتنين بحضارة الغرب وبهرجتها ويجعلونها المثل الأعلى في التقدم ، نزعوا عنهم هويتهم الإسلامية وتجردوا منها كما تنسلخ الحيّة من ثوبها ! لقد كانوا قديماً مثالاً على التشدد والعنصرية والقمع للعقول المفكرة فأين التقدم عند من يرى أن التفكير جريمة لا يمكن إخفائها ؟ لا تجعل بهرجتهم تفتنك وتعمي بصرك عن الصراط المستقيم ، إن من يحاسب على الفكر وتقدّمه لا يصلح أن يُقتدى به ، فهل يحاسب الانسان على شيء لا يملكه !

لقد كان المسلمون ومازالوا أصل كل حضارة وعلم والغرب كانوا مجرد لصوص تلصصوا على علومنا ونقلوها وحرفوها ودونوها باسمائهم والمحزن في هذا أننا بعد ذلك لا زلنا نقدسهم ونقتبس كل شيء منهم ، فنقلد موضاتهم التي يستحيل على أحد منهم أن يفعلها فننطلق عليها متهافتين لنحرز لمن يكون له السبق؟ 

إنني أنظر الى الأمور وأحللها من بُعد تأملي ، لذلك قد يوافقني البعض وقد لايوافقني وانا أحترم كلا الاراء ، فمثل هذه الرواية أنها أكثر من رواية بل فنٌ من الفنون ، ولكن تبقى دليلاً واضحاً وثقباً لا يمُلا في تاريخ الغرب ونقطة انتقاص لهم . 

 هذه صورة توضح حال الشخص عندما يوضع تحت سلطة القمع  

هذه صورة توضح حال الشخص عندما يوضع تحت سلطة القمع ! 

دونت يوم الثلاثاء ١٢/ ٧ هـ . 

Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. peace dove كتب:

    “بالله عليك ؛ اي شيء يميز حياتك إن لم تفعل أشياء غير اعتيادية ، أن تحطم تلك القيود التي فرضتها على نفسك”
    ترنّ هذه العبارة في رأسي كجرس إنذار! قصة الرواية الحقيقية جدا شوّقتني جدا لقرائتها. والتعليق الذي عقّبت به على فكرة الرواية أبهرني جداً!

  2. ريـــم .. () كتب:

    رائعه جدا حفظك الله

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s