هل بيننا من عُمر ؟ 

on

  

في الآسبوع الماضي قررت أن اقرأ كتاب له ثقله المعلوماتيّ حتى يتسنى لي الإبحار فيه ، ليملأ الفراغ بدماغي بعد الكتب الخفيفة التي قرأتها في الاسابيع الفائتة ! فكان اختياري – كتاب استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة – لقد كانت في القائمة المنتظرة للقراءة فأضفته للقائمة العاجلة بعدما سمعت عنه نبذة بسيطة في بودكاست ورّاق والأجمل ما ذُكر في البودكاست أنه قال ” لم يتناول الكاتب السيرة الشخصية اسمه وعمره وانجازاته ومن ثم النهاية ، لقد صاغها بأسلوبه البديع ليسكبها في قالب مختلف يثير في دماغك زوبعة من الثورات اللا منتهية ! ” أخذته معي في حقيبة الدوام وابتدأت قراءته في وقت الراحة بين المحاضرات ، إنني لا أبالغ حينما أقول إنني شعرت إنني في زمن الإسلام الأولي في بداية بعثة الحبيب ﷺ، لقد كان سفراً ماتعا عبر آلة الزمن التي استحدثتها أحرفه ، لقد كان أسلوب أحمد العُمري يخترقك ببكلمات بسيطة ولكن لها ثقلها في المعنى ! كل صفحة تعقبها صفحة تشعر بالاضطراب والشوق العميق في لتعرف من هو عمر ؟ صدقيّا لنكون صريحين للحظة ؛ إن معلوماتنا قاصرة جداً عن عمر الفاروق الشخصية العظيمة التي عبرت التاريخ واحدثت تغيرات جذرية كان لها الأثر الذي يستحال معه محوها ونسيانها بين طيّات التاريخ ! 

أربع مئة صفحة كيف لي أن أنقلها لك ياقارئي الفاضل بجمالها ودهشتها وحزنها وفرحها وعظمتها ؟ لقد احترت كثيراً في هذا وقررت أن لا أكتب مراجعة عنه حتى لا أظلمه بين سطور قلائل ولكن بعد تفكير عميق قررت التراجع والكتابة حتى ينتشر هذا الكتاب ! ليكون عمر الشخصية المُثلى ليقتدي بها الأجيال المعاصرة والقادمة ، لنقتبس من نوره للأيام المُظلمة القادمة ، ليكون الدليل على الشخصية الفذّة الذي نحر كبريائه والجبروت الذي كان يتمتع في الجاهلية الأولى من أجل الإسلام وأسقط كثيرًا من المباديء التي كان يؤمن بها أشد الإيمان ويرى أنها شيء غير قابل للتغير ! فقط في لمحة عين تغيّر كل هذا من أجل أنه آمن بالعقيدة الحقّة ، أسقط قناع الكفر وهيبته الذي كان معروفاً بها بين قومه فقط لأنه أدرك أنه يحيد عن الصراط المستقيم ! 

هل تساءلت يوماً لماذا دعا الحبيب ﷺ ( اللهم أعز الاسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب )

ليبين لنا ذلك استشعاره ﷺ لا بحاجة عمر الى الاسلام فحسب بل بحاجة الاسلام ايضاً الى أشخاص يملكون صفات مثل عمر يتعنقون الشيء ليكون قضية حياتهم كلها لا كوجهة نظر ! تساؤل منطقي بعد هذا : من منّا يمكن أن يكون إسلامه عزاً للإسلام؟ 

سأبدا في هذه المقالة بذكر قصة إسلام الفاروق رضي الله عنه : 

” فأقبل على خنته -صهره – فوطئه وطأ شديداً قال : فدفعته أختت عن زوجها فضرب وجهها فأدمى وجهها فقالت وهي غضبى ياعمر أرايت إن كان الحق في غير دينك أشهد ان لا اله الا الله واشهد أن محمد رسول الله فبكت المرأة وقالت يابن الخطاب اصنع ماكنت صانعاً فقد أسلمت ، فذهبت فجلست … قال عمر أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فاقرؤه قال وكان عمر يقرأ الكتب فقال أخته انك رجس وانه لا يمسه الا المطهرون فقم فاغتسل ) 

أنه هنا يبدي تنازلاً وهاهي تبدو أعلى من ان تقبل تنازلت دون ان تجبره على تنازل أكبر ، طعنه أخرى في صميم كبريائه هذه المرة يتقبلها لم يبق لديه مايفعله عليه ان يحسم الأمر وذهب فاغتسل ! 

( قال ثم أخذ الكتاب فقرأ طه حتى انتهى الى انني أنا الله لا اله الا انا فاعبدني واقم الصلاة لذكري ) 

في سورة طه قرأ عمر كل مايحتاجه ليُجهز على تردده ليقطع به شكوكه ويرحل الى يقينه ، { ما انزلنا عليك القرآن لتشقى } وكان الشقاء رفيقه الشخصي منذ أن فارقته طمأنينة ثباته وهاهو القرآن يقرب : إنه لم ينزل لذلك ليس هذا فقط ويعيد تعريف الشقاء والسعادة كما أنه يقول لهم ” الشقاء الحقيقي هو ان تكون بعيداً عن نفسك عدواً لها ! وأن السعادة هي أن تنسجم مع نفسك ومع ما أرارد لها خالقها آن تكون ولو حاربها كلّ من حولها ” 

لقد تعامل عمر مع كل شيء وكأنما هو المخاطب في الآيات فحسم أمره يريد أن يعلنها ، يريد أن يتخلص من العبء بإسلامه بين يديه ﷺ دلوني على محمد ! في أول مرة خرج متقلّداً بسيفه ليقتله والآن يريد أن يولد من جديد بين يديه الشريفيتين ! 

كل ولادة تحدث عبر القرآن يمكنها أن تحدث ذلك الاثر في مولودها ، كل اية في القرآن مؤهلة لتحدث ولادة لكل واحد منا ، كل اية مؤهلة لتترك فينا مايجعلنا نترك بصمة على هذا العالم الذي يحتاج الى الكثير من البصمات لإصلاحه . ” 

لقد تحدث الكاتب عن التفاعلات ‘العمريّة’ مع القرآن وكيف تحولت هذه التفاعلات لتكون مفاتيح للنهضة والعمران ليوضح لمن بعده أن الحضارة لا يمكن آن تُبنى فقط بمعول وحجر وأدوات بناء تقليديّة بل تُبنى أولا بفهم عمريّ للقرآن . 

وزودّ الكاتب القاريء بحقائق عن عمر بن الخطاب تُبكيك شوقاً إلى أن تعيش في عصره وعلى موته الذي انتهى بغدر من أشخاص لا تعيش عقولهم الإ بين المقابر لمجموعة لا تريد للحياة أن تكون حياة حقّة وتشّدك فرحاً لإزدهار عمّ الإسلام في عهده ! 

في كل موضوع ناقش الكاتب قضية او صفة أو انجازاً أو حدثا تاريخيا في حياة عمر ومن ثم تعقيباً عليها يجعلك تستوعب كم نتمنى حقاً أن نعيّ من هو عمر ؟ لقد كان نعم الخليفة ونعم الصديق ونعم المستشار ، ألا يكفيك أن الوحي يطابق آراء الفاروق ؟ أثق بعد كل موضوع تقرأه ستحدث فيك شرارة لتحدث البداية المحرُقة ، ستدوّن كل شيء ، ستتمنى لو أن تقتبس الكتاب كله وتختزله في عقلك وقلبك! 

يقول الكاتب في اخر الصفحات كلاماً موجهّا لي ولك ولكل من يقع عينيه عليه : ” ليس المهم هنا مانقصّ ماحدث المهم هو ماسيحدث بك أنت ماسيحدث في داخلك ماسيحدث في هذه السنة بالذات المهم في سيرة عمر ألا تكون قصة للتسلية أو لمواساتنا عن حاضرنا المخجل ، تستنزف دموعنا لترضي ضمائرنا ! المهم أت تستثمرها في استرداد عمر ليكون جزءاً من مسيرة حياتك من ‏من مسيرة خروجك ، خروجك من هذا الواقع. 

‏المهم في سيرة عمر أن لا تكون مجرد سيرة .. كقصص الحكايات والعبر .. بل أن تساهم في جعلها عاملاً أساسيا في مسيرتك الشخصية حيث الفرد في داخلك جزء من الكل وحيث الأنا جزء من النحنَ ! 

كل مااضعناه كل ماضيّعناه كل مانريد استرداده سيمّر حتماً أولا باسترداد مقومات شخصية بعينها يلخصّها عمر لك ! 

عندما نسترّده نسترده فهمه وحسمه وحزمه وفصل خطابه سنتمكنّ من استرداد كل ماضاع وكل ماضيّعناه . 

متى ننقلب على مفاهيمنا لننخرج ذلك العملاق الرابض في أعماقنا الذي يكاد يقتله الانتظار .. ‏انتظار أن تبدأ حياتك حقاً ، حياتك كما أرادها الله أن تكون ! لا يمكن لأحد أن يكتب عن عمر أو يبحث عنه او يقرأ بشكل مكثف إلا أن يخرج من التجربة بأمر من الاثنين: 

‏أن يصيبه الإحباط الشعور بالضعف والوهن عندما يقارن نفسه به أو أن يشعر بالتحفيز بالرغبة في أن يعمل المزيد .. يشعر بأن يدّا أخرى تنبت هنا رابعة تنبت هناك ! 

لو شعرت بالإحباط من عمر فدعه يتصرف معك كما لو كان سيفعل لو كنت أمامه كان سيرفع درته ليقول : ارفع رأسك وامدد بعنقك فالإسلام ليس بمريض لا تُمِت عليننا ديننا .. أماتك الله ! أحيِ دينك .. أحياك الله ! 

عمر ، لم يخلق من نور .. ولم ينزل عليه وحيّ .. ( مثلنا ) لكنه ساهم في إنارة هذا العالم بالوحي الذي نزل على محمد عليه الصلاة والسلام . 

أهم فصل في سيرة عمر ، هو الفصل الذي لم يكتب بعد ، رغم كونا فصلا محوريّا إنه فصل لن أكتبه آنا ولن يستطيع أي كاتب أيضاً ولكن ستكتبه أنت وسيكون الفصل الأهمّ فصل انتقال عمر من السيرة الى مسيرتك الشخصيّة بعبارة أخرى : فصل استردادك لعمر . ” 

كتاب زاخر بمعانيَ عميقة جداً ، عليك أن تقرأه ! أرجوك ولو تقسمه على فترات حياتك ولو بضع صفحات كل يوم أثق أنه سيغير فيك الشيء الكثير سواء لاحظته أم لم تلاحظه ! 

كتبت هذه التدوينة لأجل أن أخبرك : 

لأن كان قراءة هذا الكتاب تجربة أزلية مررت بها في أربعة أيام جعلت مني أن أقرر قرارات كثيرة أن أطمس أشياء كُثر ، قرأته وعندما أنهيته خرجت منه وانا لا أشبه شخصي الأول ، فقط لأن حياة عمر كلها كانت جسراً بين الواقع وبين ما يجب أن نكون ، عمر كان صانعاً للجسور ، بين النص والعالم ومنه نستفيد إن كنا نريد مثل هذه الجسور حقاً . 

نعم مات عمر ، طُعن عمر بأيدي غادرة لكن أنت لم تمتَ بعد أم أنك ميّت حتى لو كنت لا تزال على قيد الحياة ؟ 

هذا هو الفرق إذا . 

رحمة الله عليك ورضي عنك وأرضاك فكم نتمنى أن يكون بيننا من يشبه الفاروق ؟ أن نجد عمراً يعيد للإسلام عزّته ويحمل بيده الدرّة ليؤدب كل من حاد عن الصراط ! فقط : هل بيننا من عمر ؟ تشابهت المسميّات لكن كنت أنت من بينهم قبس نور لا يتكرر . 

كُتبت يوم الأربعاء ٦ / ٧ هـ . 

تلويحة الوداع : ألا يجب علينا أن كلما وثقنا تاريخ اليوم أو الغد او الامس الفائت أن نترحمّ على خليفنا الذي جعل لنا تأريخا لحضارتنا ؟ 

Advertisements

8 Comments اضافة لك

  1. xmanar كتب:

    لابدّ ان الكتاب أحدث زوبعة في داخلك

    في انتظار رسائلك الورقية ، بعد التغيير الذي أحدثه فيك ❤️

    1. SOMAYYAH🌸 كتب:

      للدرجة التي لا يستوعبها أي شيء !
      ورسائلي بشوق الى قارئها المحترم 💙

  2. Irood كتب:

    ”كنتَ أنت من بينهم قبس نور لا يتكرر“
    الله عليك، بارك الله فيك..
    الله يرد الإسلام كسابق عهده، ورحم الله عمر.

    1. SOMAYYAH🌸 كتب:

      وبُورك فيك 💙
      اللهم امين يارب ، يارب عوداً حميداً لأمتنا .

  3. rahaf1215 كتب:

    سأبدأ القراءة اليوم وعندما أنتهي سأخبرك بانطباعي عنه ، يبدو جميل يكفي أنه يتحدث عن الرجل الثالث في تاريخ الإسلام 💜

    1. SOMAYYAH🌸 كتب:

      قراءة ممتعة ، وبانتظار مراجعتك له 💙
      أنه يفوق الجمال باختصار يدهشك ، يبكيك ويفرحك أيضاً في اللحظة ذاته .
      شاكرة لك .

  4. مرام * كتب:

    السلام عليكم .. اختي ليه يوم غيرتي شكل مدونتك ماصار يطلع لي الكلام ابد ابد “(
    قهر ياخي كلامك جميل واحبه الحين يوم دخلت انصدمت وتحطمت كيف اقرأ الحين ..!!

    1. SOMAYYAH🌸 كتب:

      وعليكم السلام والرحمة ، اهلاً حيّاك الله الله يسعدك ويرضى عليك يسعدني جداً تشريفك لمدونتي ()
      هو مع الشكل الجديد يظهر فقط رأس المقالة واسفلها اقرأ المزيد لتقرأين البقية .
      اذا ماانحلتّ المشكلة تواصلي معي على تويتر وحيّاك .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s