بغداد ، الجمال الضائع

on

بغداد ، الجمال الضائع .

السلام عليكم يا قرائي الأعزاء ؛ إنني هنا لأدون عن كتاب -بغداد مشاهدات وذكريات – لأحكيكم شيئاً عنها بعد ما قرأت عنها كتاباً للشيخ الفاضل الطنطاوي عليه الرحمة الواسعة ، ليست هذه التدوينة عن بغداد الأمس البعيد وإنما يوم كانت بغداد حاضرة الدنيا عاصمة الأرض وكانت أعز مدائنها . 

بغداد التي كانت قبل خمسين سنة تقريبا. بغداد التي كانت تكظّ بالعلماء والأدباء! لقد اصبحت ذكرى الآن نبكي عندما تمرّ سريعة بالفكر وتدرك كم سلبها الزمن وتغيراته التي لا تُبقي شيئاً في حاله، ليصدق قول الجبّار – ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام – . 

لقد كان حديث الشيخ عنها حديثاً ذو شجون وهذا بالطبع مايساور أي شخص يقرأ عن شيء كان صرحاً عظيماً ومن دار عليه الحول ليصبح غير الذي كان . 

سأنقل لكم بعض المقتطفات لتعيشوا الجمال البغداديّ ولتحلقوا في المدى البعيد يوم كنّا سادة للكون وأرجو من ربي أن يعيد العزة لأمتنا وأن يجمع كلمتنا ويجعلنا كما الضياء المنتشر في الأفق يبدد كل ظلمة .

” لما بدت لي بغداد من كوّة الطائرة تلوح في وهج الظهيرة كأنها حلم الوصال يلوح للعاشقين أقبلت أنظر اليها من خلال الزجاج وأقبل الماضي ينطر إلي من خلال السنين ، لقد سافر الشيخ الى بغداد مع صديق العمر رحمة الله عليهما أنور العطار وكانوا لا يفترقان ، لهما الهدف ذاته فلا يراهم الناس الا معاً حتى إنهم ليخلطون بينهم فيقولون علي العطّار وأنور الطنطاوي ومأجمل أن يشاركك متعة التجربة قلباً تحبه ، كانا يسلكان الأزقّة مشياً وعلى شط دجلة كانت تعترضهم البساتين والمزاراع فيتخطاناها أو يدوران حولها وكان خلفها يقع البلاط الملكي – قصر الملك غازي – ولا تحسبوه قصراً مشيدّا بل بناء عادي كما قال شيخنا ولعلّ في بيوت الموسرين ماهو اوسع منه سعة وأجمل جمالاً . 

يقول : بغداد التي عرفتها تنام على الشطين بعضها في الكرخ واكثرها في الرصافة ورأسها في باب المعظم ورجلاها في الباب الشرقي فما أبالي أين الراس وأين القدمان مادام الفراش ممددواً ومداه محدوداً . 

ومأحسست يوماً بالغربة في بغداد الا ماركبّ الله في نفس الانسان من الشوق أبداً الى اول بلد فتح عليه عينيه وآول مجتمع عاش بين ظهرانيه ولو كان البلدان : بلد ولد فيه والبلد الذي انتقل فيه في الدوله الواحدة ذلك بأن الله مايجعل هوى القلب منوطاً بالحدود المرسومة على المصور الجغرافي . 

لقد صارت بغداد أم المدن وحاضرة الحواضر وبلغت مالن تبلغه روما في سلطانها ولا القسطنطية ولا المدائن ذات الإيوان لقد تمت ولكن : 

اذا تم أمر بدا نقصه 

ترقّب زوالا اذا قيل تمّ 

لقد اصابتها عين الحسود لقد حلت النكبة ببغداد ونزلت ساحتها الحرب بوجهها الكالح ومنجلها الذي يحصد الآخضر واليابس إنها الحرب الداخلية بين الولد المترف وأخيه الجاد العامل ! لقد مضت القرون وتخالفت الأزمنة وولدت بغداد من جديد ولم تكد تنتهي أفراح الولادة حتى كانت أيام المأتم لقد ماتت الوليدة طفلة ماتت وهي في مثل عمر الفل ولكنها تركت تاريخ الأمجاد عبقاً أطيب من أريج الفل ” 

لقد تحدث الشيخ وأسهب في وصف بغداد بدءاً من أول عهدها حتى وصل العهد الذي نزل فيها ، وتغنىّ فيها حتى يكاد القاريء يتمنى لو عاش لحظات وتكحلت عيناها بجمالها وخالط رئتاه هوائها وتشّرب جسده ذكراها ! لقد رجع التاريخ بالشيخ ورأى الدنيا صغيرة خالية لأنه كان في دنيا أكبر منها وأحتفل بالعطر والنور لانه كان في ( سرّ من رأى ) سامراء وكيف اصبحت بعد ثورة الزمن ؟ 

لقد شهد الشيخ موت غازي ملك العراق ورثاه ووسمه بـ سيّد العرب وهذا شيئاً مما قال : ” يااهل بغداد مات غازي فابكوا واندبوت فعلى مثل غازي يحلو الندب والبكاء يااهل بغداد ! مافجعتم فيه وحدكم ولكنها فجيعة العرب بسيّد العرب ، فيا اهل بغداد كلنا في المصيبة سواء وعلى غازي الرحمة والسلام ”  

 ثم تدرج الشيخ في الكتاب حتى وصل الى الصورة السوداء الذي حلّت ببغداد وانا أرى أن الشيخ تنبأ وربما اصاب فأصبح كلامه يطابق حال مجتمعاتنا الآن ايضاً ليس بغداد فقط !

يقول ” واذا المجاهرة بالمعصية سنة متعبة وموضة شائعة راذا أكثر الشبان لم يدرسوا الاسلام وهناك داء دويّ فتاك اذا لم تنتبه له البقية من علماء المسلمين الذين يعرفون الاسلام ويغارون عليه ويعلمون ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض من فروض الدين واصل من اصوله وأن المسلمون اثمون اذا تخلوا عنه جميعاً ولم تكن منهم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وبالردع والحزم اوشك ان يمضي الوقت ويمشي هؤلاء المسلمون الباقون في طريقهم فينصبون علماء جهالاً فيفتون بغير علم فَيضلون ويُضلون ! 

‏وهل من العلم والحضاره أن يتجرد المرء من دينه ويرتكب سبيل الشهوات ويتخطى حدود الشرف والأخلاق إذا كانت هذه الحضارة وكان هذا هو العلم فلعنة الله عليهما وعلى من يدعو إليهما ، أننا قوم لهم دين ‏و ولهم كتاب اتبعه أجدادهم فنجحوا وأفلحوا وملكوت زمام الكون ولا سبيلنا إلى الفلاح إلا بإتباع الدين وهؤلاء الذين يقولون باللاييك وينكرون جمعة الدين ‏يتكلمون بما يفهمون ويهررفون بما لا يعرفون لانهم لم يدرس الدين ولم يطلعوا على أسسه وأحكامه ولم يدروا ماهو وإنما يتكلمون على الظن! إنما هؤلاء المجددين ليسوا الامقلدين بلا بصيرة ولا اطلاع مقلدين للإفرنج واني اناقش كثيراً منهم فألعب بهم واسخر منهم ” 

وأضاف الشيخ : ” كانوا اخواننا في العراق يقولون لنا غداً ستنسونا وتنسون بغداد وهانذأ بعد أكثر من خمسين سنة أتعللّ بذكر العراق وأثني على العراق مانسيته 

فدى لك يابغداد كل قبيلة 

من الأرض الا خطتي ودياريا 

فقد طفت في شرق البلاد وغربها 

وسيّرت رحالي بينها وركابيا 

فلم أر فيها مثل بغداد منزلا 

ولم أر فيها مثل دجلة واديا 

ولا مثلُ أهليها أرق شمائلا 

وأعذب ألفاظاً واحلى معانيا

لكن هيهات فلا الماضي يرجع ولا الشباب يعود وبعد فبلاد المسلمين كلها بلدي أحبها حبيّ لبدلي وأحفظ لها جميل الذكريات مثل الذي أحفظه من ذكريات بلدي واسال الله ان يردّ عليها وحدتها وان يعيد اليها عزتها حتى تصنع لغدها مثل الذي صنعته لأمسها وتحية منيّ لبغداد ” 

  

هذه صورة لبغداد القديمة ^ 

كتاب جداً خفيف قد تنتهيه في وقت انتظار او في وقت مستقطع من يومك ، انصح الجميع بقرائته – بغداد مشاهدات وذكريات – . 

دمتم بخير 

دُونت ٢١ / ٦ . 

Advertisements

2 Comments اضافة لك

  1. توت كتب:

    رائعة هي بغداد
    رأيت لها صور قديمة انفطر قلبي لوضعها الآن
    كانت محط انظار

    مودتي

    1. SOMAYYAH🌸 كتب:

      جداً كانت من اجمل عواصم الإسلام ، يالله الله يردها الى احسن حال
      دمتِ بكل خير ، شاكرة لك 💛

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s